خليل طالب خير


المعاملة فن۔ إذ ترى بائعا ناجحا مجدا، يتكيف مع الناس على اختلاف طباعهم وطبقاتهم وأمزجتهم وثقفاتهم، صبورا في التعامل معهم، يستقبلهم بابتسامة صادقة، هادئا صوته، فينتقي من طيب الكلام ليقنعهم على شراء بضائعه فيربح، أوربما يجد مستفز فيستهين به ويحتقر منتجاته فيصبر، ويظل يكلمه برفق، أو ينسحب برشد وهدوء، ليأتي إلى الآخر فيفعل مثل ما فعل، لعله كريم يحسن التعامل إن لم يكن يحسن الشراء۔

لكن المحترف أكثر إتقانا وأدق، فلا يكتفي فقط بظواهر اللقاء، بل يسعى إلى أن يجعل بينه وبين الزبائن تواصل دائم، فيطلب منهم رقم هواتفهم، ليسألهم بعد مرور الأيام عن أحوال البضائع هل هي سليمة أم هناك عطل فيصلحها أو ليأتي بالجديد، وهل تسرهم الخدمة أو لديهم شكوى فيحسن منتجاته أو الخدمة بشكل عام، ويسألهم عن أرائهم كي يستخدمها كشهادة الزبائن في ترويج سلعه للآخرين، وكل هذه، حتى يقتنع الزبائن ويكونوا أوفياء له ولمنتجاته، فيأتون إليه مستمرين۔ ولعل بخدمته الجيدة صار بعض الزبائن عملاء له، يكلمون أصدقاءهم عنه ويشجعونهم على شراء منتجه فيأتون إليه دون أن يسعى إليهم۔ هكذا، فقد جذب الزبائن الجدد وحقق المبيعات والأرباح دون كسب وتعب۔

إن نصف البيع مهارة تواصل، فالمحترف المحنك خبير بأن التواصل القوي نقود ناضرة، فلا يترك مجال لزبون واحد أن يفلت، ولا لأن يغصبه منه منافسه۔ فإن السوق ميدان متزاحم، إذا غفل ساعة، خسر غنائم كثيرة۔

وشأن الداعية لا يختلف كثير عن البائع، فإن مهنته معاملة الناس ومعايشتهم، لذا تجده في دوامة من الأفكار من أجل ترويج سلعه بأحسن طريق-إلا أن سلعته إسلام وربحه عند الله، فيقابلهم بوجه طليق ولسان خفيض، يعرفهم بالإسلام ويرغبهم في الالتزام بتعاليمه ويشجعهم على خدمته والانضمام تحت رايته، ويحثهم على الاقتداء بالسلف الصالح وسلوك طريق المؤمنين، فإنه يعلم علم اليقين أن الخير كله فيهم، والسير على مسلكهم۔

لكن الدعوة كثيرا ما ينسى الداعية حقيقتها، ويجعله بذلك يتخلف عن إتيان بأسباب نجاحها۔ إنها دعوة بشرية، لا يتم تحقيقها إلا بجهد البشر، ولا تؤتي ثمارها إلا أن تؤدى على أكمل وجه من الإحسان والإتقان۔

فالداعية إذا أتقن في دعوته، عرف أن عمله لم يقتصر على تعريف الناس بالإسلام، بل يتعدى إلى متابعتهم بالتزكية والتأديب والتربية، والتواصل معهم حتى في أمور لم تعد دينية عند الناس۔ إن تعريف الناس بالرسالة خطوة، ومتابعة المدعوين والتواصل معهم خطوة أخرى لاينبغي للداعية تركها۔ إنه ليس فقط جزء من عمل الدعوي بل هو من عناصر أساسية في نجاحه لا تستغنى عنه جماعة دعوية، لأنها ليس لوحدها في “اجتذاب الزبائن” وإنما هي في معركة تربوية مع أعداء كثيرة لا يؤمن جانبهم، إذا تركت المدعوين، فسيخطفونهم حتما۔ فالشباب لو تركوا وأنفسهم، فإن الأعداء سيجرونهم إلى ظلمات المعاصي، ويغرقونهم في الشهوات، أويعرضون عليهم الشبهات فينحرفون عن الطريق ويسيرون متخبطين إلى غاية لن تدرك۔ ولولا تلك، فمتطلبات الحياة ملحة لا تنتهي، تشغلهم عن تزكية النفس والرجوع إلى الله والمبادرة في العبادة والأعمال الصالحة۔ وقد يكون إشغال المدعوين بالمباحات أمر غير عفوي، بل هو أيضا أمر مرسوم من قبل أعداء، وكذلك في الأغلب۔

إن الدعوة تطرق قلوب الناس وتوجهها وتحركها، فتفيق القلوب من نومها وتشتاق إلى الإيمان وتتسارع  للعمل، ولكن سرعان ما تتبرد هذه الدفقة الإيمانية من قلب قد طالت عليه الأيام في المعاصي والجاهلية، وليس الأمر بغريب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بأن الإيمان يزيد وينقص، وإنما النادر أن يستقيم عمل صاحب قلب لم يتدرب على الصبر ولم يتربى على الإيمان في أمد طويل۔

ومن هنا يأتي دور الداعية، ليأدب قلب ناسي بعدما ذكر، ويعين قلب واع عندما تأخر، فهو عندما سمع حديث النبي  “من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا، إن نسى ذكره، وإن ذكر، أعانه” طمح أن يكون هو الخليل الصالح الذي جعله الله أداة الخير للعباد، وعمودا في إتمام الهداية والعمل۔ فيكون خليل المدعوين، لا يتركهم بعد إلقاء محاضرات في المساجد والجامعات، ولكنه يأتيهم ويسألهم ويسمع منهم ويلطف بهم، ثم بعد ذلك يقول لهم بآية من القرآن وحديث نبوي، ثم يأتيهم ثانية ليسألهم فيذكرهم لو نسوا، أويثبتهم لو فعلوا۔

المتابعة نموذجا

 

 هكذا فعل النبي ، ونرى منه نماذج كثيرة، ها هو يسأل الحارث مرة ومعاذ مرة “كيف أصبحت؟” فقالا في كلتا الروايتين “أصبحت مومنا بالله [حقا]”(في حديث الحارث) فجعل النبي  يسأل عن حقيقة قولهما، فيسمع منهما الجواب فيقول “عرفت فالزم، عرفت فالزم”! فالنبي  يسأل عن أحوال أصحابه ويريد أن يتأكد أنهم فهموا ما تعلموا منه وفعلوا، وإذا تيقن من ذلك، يبشرهم ويمدحهم كما قال في رواية “أنت امرؤ نور الله قلبك”۔ وإن لم يكن كذلك، فإنه كما أمر الله تعالى : “قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”، فهو الاستمرار في تصحيح الفهم وتهذيب القلب حتى يخلص ويستقيم۔

 ومرة يأتي النبي  آل ياسر وهم يعذبون في أيام المحن فقال لهم تثبيتا وتبشيرا “صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”۔  انظر إلى هذه الكلمات، كم هي مبشرة، وكم من استئناس بسماعها، ترى كيف هي تنقذ القلوب من الفتور عند الشدة، فبقي ياسر وأهله على الإيمان، بل وبادرت زوجته سمية فسجلت اسمها كأول شهيدة في الإسلام۔ والفحوى هنا يكمن في متابعته أصحابه وتأنيسهم، لا يتركهم بعد دعوتهم وعرض الإسلام عليهم، ولكنه التواصل الدئم والتوجيه المتتالي، حتى تثبت الأقدام وينتصر الإيمان۔

وفي مشاهد أخرى نراه تارة يأتي إلى بعض أصحابه فيسألهم عن حال أسرهم واقتصادهم، وتارة يسمر الليالي عندهم، وتارة يطاعمهم في الغداء والعشاء، وتارة يخرج ويركب الخيل معهم، ولا يسعني أن أذكرها جميعا هنا، ولكنها متابعات ومعاملات تربط القلوب وتوقظ الإيمان وتقوم الأخلاق وتغرس معاني الخير۔

 هكذا يتربى الصحابة، وتعودوا على هذا الدرب ففعلوا مثل ما فعل، فصارت المتابعة عرفا، وكان عمر يأتي إلى الشفاء أم سليمان –إحدى نساء بني عدي- قبل أن يذهب إلى السوق فيسألها عن ابنها الذي لم يشهد صلاة الفجر، فقالت بأنه بات يصلي فغلبته عيناه، فوعى عمر ذلك فقال عاتبا “لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة”۔ فها قد أشار عمر على الدعاة والمربيين بالمتابعة! كيف يتابع المربي المتربيين الذين تخلفوا عن صلاة الفجر في الجماعة، أو تخلفوا عن أوامر الله عموما، يتفقدهم ثم يستفسر، إن كان لهم عذر أو منع فالتأنيس، وإلا يقوم بالتصويب والتفهيم۔

وكان عبد الله بن مسعود يأتي رجالا خرجوا من الكوفة اعتزالا عن الناس فقال لهم “ما حملكم على ما صنعتم؟”، قالو : “أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد” فقال عبد الله : ” لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا”۔ هذا، تفقد المدعوين ثم بعد الاستفسار، يأتي التوجيه والتصويب، ويكون التوجيه مضغطا لياتي بذلك منهم العمل، فلا يكون كلمات يقولها ثم لا إنتاج۔

وكم من زيارات وجلسات ورحلات وسمرات تؤلف بها قلوبهم وتصوب الأفكار ويزيد بها النشاط وتنتج منها الأعمال، لو قرأ الداعية بعض ورقات في سيرة السلف الصالح لوجدها كثيرة۔

إنها العناية والاهتمام بأمر الناس، وليس إلقاء بعض الكلمات ثم تركهم وشأنهم۔

وقد أشار القرآن إلى هذه الصفة فقال الله في شأن سليمان “وتفقد الطيرفقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين؟” هذا، فقد تفقد سليمان أتباعه المؤنين وسأل عنهم، لماذا تخلف عن طاعته فإن طاعته من طاعة الله؟ ولم يسعه أن يترك الهدهد يتغيب عنه ويفعل ما شاء أن يفعل، فإن عدم العناية سيفتح بابا للعدو أن يلج، فيفعل به العدو مثل ما فعل السامري۔

الهلاك في اللاتواصل

وقد سأل الله تعالى كليمه  حينما غاب عن قومه أربعين ليلة  فقال “وما أعجلك عن قومك يا موسى؟” -وهو استفهام انكاري كما جاء شرحه في التفسير الكبير، فقال موسى “قال هم أولآء على أثري وعجلت إليك رب لترضى۔” بين موسى  سبب استعجاله هو شوقه لتلقى من ربه التوراة، وأن بني إسرائيل لم يكونوا بعيدين عنه، ولكن “قال; فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري”، وكأنه تعالى عاتب كليمه عندما أخبره بأنهم قد فتنوا من بعد غيابه -مع أن موسى قد استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، ليقيم مقامه في تربية قومه- وبين له ولنا أنه ليس من شأن الأنبياء -ولا الدعاة –  أن يعتزلوا قومهم وينقطعوا عنهم مدة طويلة، لأن عدم التواصل معهم وعدم متابعتهم يجعلهم لقمة سائغة للأعداء وهم متربصون لتلك الساعة، ويكون ذلك سببا في هلاك قومهم۔

إنه كما أشار إليه الأستاذ فتحي يكن في المتساقطون، بأن عدم العناية، وضعف المتابعة، وإهمال أحوال الأخ من أسباب تساقط الأفراد من الحركة، وهذه ظاهرة تراها في داعية فهم الإسلام وانتمى بالدعوة والتزم بالجماعة ولمسته لذة الأخوة والإيمان، فكيف ترى إذن بأناس لم يفهموا الدين ولم يفقهوا الانضباط ولم يذوقوا طعم الإيمان والصبر والتضحية؟ والله لقد عرفت أنه لكاف على أن يقطع الشيطان الحبال بيننا وبينهم، بعدما رأيت ما فعلته عجلة السامري على بني إسرائيل!

فكن أيها الداعية خليل طالب خير، ينقذ الله بك من يشاء من عباده۔ فإن الدعوة والتربية تحتاج إلى الوقت والإتقان، ولا تكفيها كلمات تلقاها ساعة أو ساعتين في المحاضرات، فضلا عن مقالات تكتبها في المواقع الانترنيت، وإنما هي أيام من التعامل والصبر والمتابعة ، وبذلك تبني جيلا، فإنه “لا يكون داعية اليوم إلا من يفتش عن الناس، ويبحث عنهم، ويسأل عن أخبارهم ويرحل للقاءهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجيء الناس إليه في مسجده أو بيته فإن الأيام تبقيه وحيدا، ويتعلم فن التثاؤب”۔

و”لقد أعان الله تعالى بأحمد (ابن حنبل) آلافا مثل موسى بن حزام هذا، وبهم استطاع أن يرد فتنة وكيد الجهمية والمعتزلة وينصر السنة۔۔

فكم يا ترى سيعين الله بك اليوم من ترد بهم كيد الشرق والغرب؟”

 

Ustaz Zaid Bin Zainur Rashid
Ahli Lajnah Politik dan Sejarah Islam
Kuliah Syariah Islamiah,
Universiti Al-Azhar, Mesir.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*